صبري القباني

32

الغذاء . . . لا الدواء

وتضرب أشجارها جذورها في تربة إيطاليا وبساتينها ، لتمتد بعد ذلك إلى مختلف سهول أوروبة الجنوبية حتى تصل إلى إسبانيا ، ليبلغ الغزو أولى مراحله مع حلول القرن السابع . أما الأصناف الحلوة من البرتقال والثمار الحمضية فلم تتم عملية الغزو إلا قبيل مطلع القرن الخامس عشر . وكان طبيعيا أن ترافق الثمرة الشهية الحملات الاستكشافية التي تعرض لها العالم الجديد ، فترافق كريستوف كولمبس في رحلته الثانية إلى القارة الأميركية سنة 1493 ، لتزرع بذور البرتقال الحامض في هاييتي إحدى جزر الهند الغربية ، ولتنتقل من ثم إلى المكسيك وأميركة الوسطى في أوائل القرن السادس عشر ، ثم إلى شاطئ فلوريدا ما بين سنة 1513 و 1565 ، حيث قام الهنود الحمر بنشر بذور البرتقال التي جلبها الإسبان إلى شبه جزيرة فلوريدا ، لتنتشر ببطء في أميركة الشمالية ، قبل أن ينتبه إليها المزارعون في كاليفورنيا فيزرعونها على نطاق تجاري واسع سنة 1800 ، ومنذ ذلك الحين ، بات البرتقال شيئا مألوفا في حياة سكان الدنيا الجديدة وجنوب أفريقيا وأوستراليا ، ولكن أجود أصناف البرتقال ظلت تلك التي كانت تزرع في سهول فلسطين . أما في إنكلترا ، فقد كان للبرتقال تاريخ طويل ، بدأ سنة 1685 عندما زرع « وليم تمبل » أول أشجاره ، وكان الاهتمام موجها إذ ذاك إلى خاصيته العطرية وليس إلى ثماره الشهية . وقيل إن « الكاردينال ولسي » كان أثناء تردده على البرلمان الإنكليزي يحمل « برتقالة بديعة الجمال » . ويروي الأديب الإنكليزي « صموئيل بيبس » أن « المخنثين » الإنكليز كانوا يحملون زجاجات زيت البرتقال لتعطير قفازاتهم . وذكر الروائي الإنكليزي « جيمس شارلي » في القرن السابع عشر أنه كان هناك رجال يحملون في جيوبهم ثمارا ناضجة من البرتقال « لتعطير جو الحديث » ! . . وكانت للملك شارل الأول حديقة كبيرة للبرتقال في « ومبلدون » تساوي الشجرة الواحدة منها ما بين عشرة جنيهات وعشرين جنيها ، وكان أصحاب البساتين في جميع أرجاء إنكلترا يخصصون مساحات ضيقة من أراضيهم لزراعة مختلف أنواع البرتقال والليمون . * * * هكذا - إذن - ارتبط البرتقال بحياة الناس في مختلف أرجاء الأرض ، فكان طبيعيا ، والحالة هذه ، أن تمتزج بحياتهم امتزاجا كليا ، وأن تنشأ حولها اعتقادات وآراء ، فاعتبرها الصينيون رمز السعادة ، وقال الفرس إنها خير شجرة تليق بفردوس الآخرة ، ورسمها الفنانون في الشرق والغرب على السواء في مواضع مختلفة تدور كلها حول ما تشيعه هذه